عبد الرحمن بن محمد البكري

62

الأنوار في علم الاسرار ومقامات الأبرار

وقال : كل فرح من الدنيا للدنيا عاقبته حزن ، وكل حزن من الدنيا للدنيا يبلى الأحزان التائب على ذنبه ، وحزن الخائف على فوت ربه . وقال : التصبر للمؤمن حرز من الآفات ، والصبر للمؤمن جنة من الضلالات ، والشكر للمريد معدن للزيادات ، والرضى للعلماء كهف للسلامات ، والمراقبة للعارف طريق في المحبة ، والتوكل للموفق درجة في الغاية ، ومن لم يتصبر لم يصبر ، ومن لم يصبر لم يشكر ، ومن لم يشكر لم يرض ، ومن لم يرض لم يحب ، ومن لم يحب لم يتوكل . كيف يريد تأديب الناس بالتقلل ، والترك للدنيا من غلبه الحرص ، والشره ؟ ولم ترض نفسه بالتجوع ، والعطش ، وبدنه بالعرى ، والفقر ، وكيف تصح الموعظة ممن جهل طريق الورع ، والزهد ، وغاب عنه معرفة الناس من جهة الفراسة ، والتمييز لأحوالهم ؟ وكيف ينتفع الناس بعلم عالم ؟ قد انسلخ من خيره ، وبركته ، وورث منه الحب ، والمداهنة ، والغل والحسد ، وحب الغلبة . وقال : كل من عمل للّه بهدى العلم ورث حقائقا من المعرفة فإن ورع ورث حقائقا من المحبة ، فإن زهد ورث حقائقا من الأنس فإن استحيى ورث حقائقا من المراقبة ، فإن هاب ، وأجل مقام ربه ، وعظم قدره في نفسه على الغالب من أوقاته ورث من العلم ، واليقين ، والبصيرة ، والتمييز في الدنيا ما لم يخطر على القلوب ، ولم تنطق به الألسن ، وأعطاه ربه في الآخرة ما لم تشهده الأبصار ، ولم يخطر في الأسرار ، وكل من عمل لما عند اللّه بعد العلم ورث مزيدا من الورع ، فإن قنع ورث مزيدا من التعفف ، فإن صبر ورث مزيدا من الشكر ، فإن آثر ورث مزيدا من المحبة ، والحياة ، وأعطاه اللّه في الآخرة مما وصف لكم ما تلذ به نفسه ، وتقر به عينه .